“تراقصت الظلال على صدر البحّار مع كل شهيق وزفير، ولم تبرح عيناه المتألقتان المرأة وهي تتجرّد من ثيابها. رسم انعكاس ضوء القمر خطًا ذهبيًا عبر كتفيه، وأضفى لمعانًا على عنقه المتوتّر. كان ذهبًا من لحمٍ وضوءٍ وعرق. أما أمه فبدت وكأنها تُطيل لحظة التجرّد، لعلها تفعل ذلك عن قصد. وفجأة دوّى عواءٌ طويل لبوق سفينة عبر النافذة المفتوحة، فغمر الغرفة المعتمة؛ صرخةُ حزنٍ لا حدود له، مظلمةٌ كثيفة، محمّلةٌ بكل شهوات المدّ والجزر، بذكريات الرحلات التي لا تُحصى، بالأفراح والمهانات. كان البحر يصرخ. امتلأ الصوت ببريق الليل وهياجه، مندفعًا من عرض البحر البعيد، حاملًا عطشًا غامضًا إلى تلك الغرفة الصغيرة.” تحكي رواية «البحّار الذي لفظه البحر» قصة عصبة من الفتيان المتوحشين، لم يتجاوزوا الثالثة عشرة من العمر، أعلنوا رفضهم لعالم الكبار، وعدّوه عالمًا زائفًا، منافقًا، غارقًا في العاطفة الرخيصة. ولهذا راحوا يدرّبون أنفسهم على قسوة لا تعرف الشفقة، يسمّونها «الموضوعية». وحين تنشأ علاقة بين والدة أحدهم وضابطٍ بحري، يرفع الصبية الرجل في البداية إلى مرتبة البطل الذي طالما تخيلوه. لكنهم لا يلبثون أن يروا فيه إنسانًا وديعًا، رقيقًا، مستسلمًا لأوهام الحب والرومانسية. وعندئذٍ لا يعدّون سقوطه مجرد خيبة أمل، بل خيانة كاملة للمثال الذي أسقطوه عليه، فيواجهونه بعنف مروّع، يجرّد البراءة نفسها من آخر أقنعتها.
تخفيضات!





المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.